الخميس، 23 فبراير 2017

الصفات الخبرية عند الحنابلة

الحمد لله أما بعد :

فهذا تقرير لمذهب الحنابلة في الصفات الخبرية فأقول مستعينا بالله :

 إن أخبار الصفات على المعتمد في مذهب الحنابلة من المتشابه وأن المتشابه غير متضح المعنى إما لاشتراك أو إجمال أو ظهور تشبيه بخلاف المحكم فهو متضح المعنى وإليك نصوصهم في ذلك :

قال ابن قدامة في روضة الناظر : ( والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه ) اهـ

وقال ابن مفلح في أصوله : ( والمحكم ما اتضح معناه فلم يحتج إلى بيان والمتشابه عكسه لاشتراك أو إجمال قال جماعة من أصحابنا وغيرهم وما ظاهره التشبيه كصفات الله ) اهـ

وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( والمتشابه مقابل المحكم وهو غير المتضح المعنى، فتشتبه بعض محتملاته ببعض للاشتراك، أي: تشابهه، وعدم اتضاح معناه إما لاشتراك كلفظ العين والقرء ... أو لظهور تشبيه في صفات الله تعالى، كآيات الصفات وأخبارها، نحو: "ويبقى وجه ربك"، "لما خلقت بيدي"، "بل يداه مبسوطتان"، "يد الله ملأى لا تَغِيضها النفقة"، فيضع الجبار قدمه"، "فيظهر لهم في الصورة التي يعرفونها"، "خلق الله آدم على صورة الرحمن"، ونحو ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة ) اهـ

وقال المرداوي في التحبير شرح التحرير : ( والأصح : أنّ المُحْكم  ما اتضح مَعناه، والمتشابه عكسه لاشتراكٍ أو إجمال أو ظهور التشبيه ، كصفات الله تعال ) اهـ

وعلى ما تقدم فلا يجوز الجزم بتفسير أو تأويل آيات الصفات الخبرية . 
قال نجم الدين الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره فجسموا وشبهوا، وفَرَّ قوم من التشبيه فتأولوا وحرفوا فعطلوا، وتوسط قوم فسلّموا وأَمرّوه كما جاء مع اعتقاد التنزيه فَسَلِموا، وهم أهل السنة ) اهـ

وقال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات : ( مذهب السلف وإليه ذهب الحنابلة وكثير من المحققين عدم الخوض خصوصا في  مسائل الأسماء والصفات فإنه ظن والظن يخطئ ويصيب فيكون من باب القول على الله بلا علم وهو محظور ويمتنعون من التعيين خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ولهذا قالوا والسؤال عنه بدعة فإنه لم يعهد من الصحابة التصرف في أسمائه تعالى وصفاته بالظنون وحيث عملوا بالظنون فإنما عملوا بها في تفاصيل الأحكام الشرعية لا في المعتقدات الإيمانية ) اهـ

وقال الحافظ ابن رجب في فضل علم السلف على الخلف : ( والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ) اهـ

ولا بد بعد ما قررناه من تنبيهات :


الأول : القول بأن آيات وأحاديث الصفات لا معنى لها ولا مفهوم منها باطل فالحنابلة  يقرون بأن للآيات والأحاديث معاني، ولكنهم يَكِلون معنى الصفة منها إلى الله، مع قطعهم أن لها معنى لائقا به سبحانه .
قال ابن الجوزي في زاد المسير : ( والمراد بقوله: "بل يداه مبسوطتان" أنه جواد ينفق كيف يشاء، وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: إن شاء وسَّع في الرزق، وإن شاء قَتَّر ) ا.هـ.

الثاني : أنه ليس في كتاب الله ما لا معنى له .
قال العلاء المرداوي في شرح التحرير: ( (وليس فيه ـ أي: الكتاب... ما لا معنى له) وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري سبحانه وتعالى ) ا.هـ

الثالث : أن ليس جميع الصفات من المتشابه فالمتشابه من الصفات ما أوهم التشبيه والتمثيل كـ (الوجه)، و(اليد)، و(الأصبع)، و(الرجل)، و(القدم)، و(الساق)، و(النزول)، و(العين)، و(المجيء)، و(الإتيان). 
قال السفاريني في لوامع الأنوار : ( فكل ما جاء عن الله تعالى في القرآن العظيم من الآيات القرآنية أو صَحّ مجيئه في الأخبار بالأسانيد الثابتة المرضية عن رواة ثقات في النقل، وهم العدول الضابطون المرضيون عن أهل الفن العارفين بالجرح والتعديل، من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة: مما يوهم تشبيهاً أو تمثيلاً فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. نؤمن به، وبأنه من عند الله تعالى، ونُمِرُّه كما قد جاء عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اهـ

الرابع : حمل الحنابلة الصفات على ظاهرها إنما هو من جهة الاشتراك اللفظي .
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله ، لنا أن نسكت عنها ، ولنا أن نتكلم فيها ، فإن سكتنا عنها قلنا : تمر كما جاءت ، كما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف ، وإن تكلمنا فيها ، قلنا : هي على ظواهرها من غير تحريف ، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل ، لكن الكلام يبقى في ظواهرها ما هي ؟ فالجهمية لقصور نظرهم ومعرفتهم بالأحكام الإلهية ، لم يفهموا منها إلا الظاهر المشاهد من المخلوقين ، من يد ، وقدم ووجه وغير ذلك ، فلذلك حرفوها عن ظواهرها إلى مجازات بعيدة . 
ونحن نقول : المراد بظواهر النصوص معان ، هي حقائق فيها ، ثابتة لله سبحانه وتعالى ، مخالفة للمعاني المفهومة من المخلوقين ، وذلك على جهة الاشتراك ) اهـ

وقال في حلال العقد ( قاعدة : أهملنا إلحاقها بفصل الصفات فلنلحقها هنا .
وذلك أن الناس اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها، نحو : "بل يداه مبسوطتان" ، "ويبقى وجه ربك" ...
فمنهم من حملها على ظواهرها المتعارفة فجسم ومثل .
ومنهم من تأولها على معاني محتملة في الجملة؛ فرارا من التجسيم فأبطل وعطل .
ومنهم من جعلها ألفاظا مشتركة بين صفات المخلوقين، وصفات الله عز وجل، حقائق بالنسبة إلى ذاته المقدسة، كالعين المشتركة بين عين الماء وعين الذهب،  فيقول لي يد حقيقة، ولله عز وجل حقيقة، ولا اشتراك بين اليدين إلا في لفظ اليد، أما مدلولها فيد الله حقيقة لائقة به عز وجل، كما أن لي ذاتا ولله عز وجل ذاتا، ولا اشتراك إلا في الاسم، وهذا رأي الحنابلة وجمهور أهل السنة، وهو مذهب جيد صحيح عند من فهمه لا غبار عليه ) اهـ

الخامسأن الله خاطبنا بما لا نعقله أو لم نطلع على تأويله ليختبر طاعتنا .
قال ابن قدامة في روضة الناظر : ( فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟
قلنا:
يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالى-: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين" "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ... " الآية "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس".
وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها ) اهـ

السادس : أن ما ورد في بعض الآثار ( الاستواء معلوم )  ليس المراد منه أنه معلوم المعنى بل المراد منه أنه معلوم الورود.
قال ابن قدامة في ذم التأويل : ( وقولهم "الاستواء غير مجهول" أي غير مجهول الوجود لأن الله تعالى أخبر به ، وخبره صدق يقيناً لا يجوز الشك فيه ولا الارتياب فيه ، فكان غير مجهول لحصول العلم به ، وقد روي في بعض الألفاظ "الاستواء معلوم" ) اهـ

وقال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات ( والذي يقتضيه صريح اللفظ أن المراد بقولهم " الاستواء معلوم" أي وصفه تعالى بأنه على العرش استوى معلوم بطريق القطع الثابت بالتواتر فالوقوف على حقيقة أمر يعود إلى الكيفية وهو الذي فيه "والكيف مجهول" والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية فإن الكيفية تبع للماهية ) اهـ

وقال السفاريني في لوامع الأنوار : ( فمعنى قول أم سلمة - رضي الله عنها - في الحديث ومن نحا نحوها من الأئمة : "الاستواء معلوم " أي وصفه تعالى بأنه تعالى على العرش استوى استواء معلوم بطريق النقل الثابت بالتواتر ، وأما الوقوف على حقيقة أمر يعود إلى الكيفية فمجهول ، والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية لأنها تبع للماهية ) اهـ 

وأختم بقول ابن قدامة في تحريم النظر : ( وأما إيماننا بالآيات وأخبار الصفات فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ التي لا شك في صحتها ولا ريب في صدقها ، وقائلُها أعلم بمعناها فآمنا بها على المعنى الذي أراد ربنا تبارك وتعالى فجمعنا بين الإيمان الواجب ونفي التشبيه المحرم … وأما قوله : هاتوا أخبرونا ما الذي يظهر لكم من معنى هذه الألفاظ الواردة في الصفات ؟ فهذا قد تسرع في التجاهل والتعامي كأنه لا يعرف معتقد أهل السنة وقولَهم فيها وقد تربى بين أهلها وعرف أقوالهم فيها وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أبكمه وأعمى قلبه إلى هذا الحد بحيث لا يعلم مقالتهم فيها مع معاشرته لهم واطلاعه على كتبهم .. وبين أنه إذا سألَنا سائل عن معنى هذه الألفاظ قلنا : لا نزيدك على ألفاظها زيادة تفيد معنى بل قراءتها تفسيرها من غير معنى بعينه ولا تفسير بنفسه ، ولكن قد علمنا أن لها معنى في الجملة يعلمه المتكلم بها فنحن نؤمن بها بذلك المعنى ومن كان كذلك كيف يسأل عن معنى وهو يقول لا أعلمه ؟ ) اهـ



هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق