الجمعة، 26 أغسطس 2011

الدعاء عدو البلاء

قال ابن القيم :

والدعاء من أنفع الأدوية ، وهو عدو البلاء ، يدافعه ويعالجه ، ويمنع نزوله ، ويرفعه ، أو يخففه إذا نزل ، وهو سلاح المؤمن .
كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم :( الدعاء سلاح المؤمن ، وعماد الدين ، ونور السماوات والأرض ) .
وله مع البلاء ثلاث مقامات :
أحدها : أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه .
الثاني : أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء ، فيصاب به العبد ، ولكن قد يخففه ، وإن كان ضعيفا .
الثالث : أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه .
وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم :( لا يغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) .
وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، فعليكم عباد الله بالدعاء ).
وفيه أيضا من حديث ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( لا يرد القدر إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) .

مراتب الناس في المدح والذم

قال ابن حزم :


الناسُ في بعض أخلاقهم على سبع مراتب :

فطائفةٌ تمدح في الوجه وتذم في المغيب, وهذه صفة أهل النفاق من العيَّابين, وهذا خُلُقٌ فاشٍ في الناس، غالبٌ عليهم .

وطائفةٌ تذمُّ في المشهد والمَغيب, وهذه صفة أهل السَّلاطة والوقاحة من العيَّابين .

وطائفةٌ تمدح في الوجه والمغيب, وهذه صفة أهل الملَق والطمع .

وطائفةٌ تذمُّ في المشهد و تمدح في المغيب؛ وهذه صفة أهل السُّخف والنَّواكة. ( النّوك - بالضم والفتح - : الحُمق )

وأمَّا أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذَّم في المشاهدة , ويُثنون بالخير في المغيب , أو يمسكون عن الذَّم .

وأمَّا العيَّابون البُرَآءُ من النِّفاق والقِحَةِ؛ فَيُمسكون في المشهد ويذمون في المغيب .

وأمَّا أهلُ السَّلامة فيمسكون عن المدح، وعن الذم في المشهد والمغيب.

و من كل هذه الصّفات قد شاهدنا و بَلَوْنا.

الاثنين، 22 أغسطس 2011

طرد الهم

قال ابن حزم :

تطلَّبتُ غرضاً استوى الناَّس - كلَّهم -  في إستحسانه وفي طلبه فلم أجده إلّا واحداً، وهو: طَرْدُ الهمِّ .

فلمَّا تدبَّرته علمتُ أنَّ النَّاس - كلهم - لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم - على اختلاف أهوائهم ومطالبهم، وتباين هِمَمِهِم وإرادتهم - لايتحرَّكون حركةً أصلاً إلّا فيما يرجون به طرده، ولاينطقون بكلمةٍ أصلاً إلّا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم، فمن مخطىءٍ وجه سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقلُّ من الناس في الأقل من أموره.

فطرد الهمِّ مذهب قد اتفقت الأممُ كلُّها - مُذْ خلق اللهُ - تعالى - العالَم إلى أن يتناهى عالمُ الابتداء، ويعاقبه عالم الحساب - على أن لا يَعْتَمِدُوا بسعيهم شيئاً سواه، وكلُّ غرضٍ غيره ففي الناَّس من لا يَسْتَحْسنه، إذْ في النَّاس من لا دين له فلا يعمل للآخرة، وفي النَّاس من أهل الشَّر من لا يريد الخيرَ ولا الأمن ولا الحق، وفي الناس من يُؤْثرُ الخمُول بهواه وإرادته على بُعْد الصِّيت، وفي الناَّس من لا يريد المالَ ويُؤْثر عدمه على وجوده ككثيرٍ من الأنبياء - عليهم السلام - ومَنْ تلاهم من الزُّهَّاد والفَلاسِفَة، وفي الناس من يُبْغضُ اللَّذات بطبعه ويَسْتَنْقِصُ طالبها؛ كمن ذكرنا من المُؤْثرينَ فَقْدَ المال على اقتنائه، وفي النَّاس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من ترى من العامَّة، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها.

وليس في العالم مُذْ كان إلى أَنْ يَتَناهى أحدٌ يستحسن الهمَّ، ولا يريد طرده عن نفسه!

فلمَّا استقَّر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله - تعالى - لفكري هذا الكنز العظيم؛ بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق جميع نوع الإنسان - الجاهل منهم والعالم، والصالح والطالح - على السعي له، فلم أجدها إلا التوجه إلى الله - تعالى - بالعمل للآخرة، وإلا فإنما طلب المال طلابه، ليطردوا به هم الفقرعن أنفسهم، وإنما طلب الصيت من طلبه، ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها، ليطرد بها عن نفسه هم فوتها، وإنما طلب العلم من طلبه، ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار، ومحادثة الناس من يطلب ذلك؛ ليطرد بها عن نفسه هم التوحد، ومغيب أحوال العالم عنه، وإنما أكل من أكل، وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكْتَنَّ من اكْتَنَّ (أي استتر)، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال، وسائر الهموم.

وفي كل ما ذكرنا لمن تدبَّره همومٌ حادثةٌ لا بد منها؛ من عوارض تعرض في خلالها، وتعذُّرِ ما يتعَّذر منها، وذهاب ما وُجِدَ منها، والعجز عنه ببعض الآفات الكائنة، وأيضاً نتائج سوءٍ تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك؛ من خوف منافسٍ، أو طعن حاسدٍ، أو اختلاس راغبٍ، أو اقتناء عدوٍّ، مع الذم والإثم، وغير ذلك.

 ووجدت العمل للآخرة سالماً من كل عيبٍ، خالصاً من كل كدرٍ، موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة.

 ووجدت العامل للآخرة إن امتُحِنَ بمكروهٍ في تلك السبيل، لم يهتم، بل يُسَرُّ، إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عونٌ له على ما يطلب، وزائد في الغرض الذي إياه يقصد. ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم، إذ ليس مؤاخذاً بذلك فهو غير مؤثر في ما يطلب. ورأيته إن قُصِد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبة سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ، فهو في سرورٍ متصلٍ أبداً، وغيره بخلاف ذلك أبداً.

 فاعلم أنه مطلوب ٌواحدٌ وهو: طرد الهمِّ، وليس إليه إلا طريقٌ واحدٌ وهو العمل لله - تعالى -، فما عدا هذا فضلالٌ وسُخْفٌ.

السبت، 6 أغسطس 2011

ضبط مايباح من الكذب

 قال النووي:

 وقد ضبط العلماء ما يباح من الكذب وأحسن ما رأيته في ضبطه قول أبو حامد الغزالي : الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، و واجب إن كان المقصود واجباً. اهـ