الاثنين، 15 أكتوبر 2018

القاعدة السلفية في الصفات السمعية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله وصحبه أجمعين
أما بعد: فهذا تقرير موجز لقاعدة السلف الصالح في أخبار الصفات التي وردت في السمع ، والله الموفق لا رب سواه.
 
   اعلم -رحمني الله وإياك- أن للسلف الصالح فيما يسمى بصفات الله السمعية (قاعدة) تقوم على ركائز ثلاث :
ـ أما الأولى : فالإيمان بصفات الله التي وصف بها نفسه في آيات تَنْزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها كقوله سبحانه : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وقوله : (بل يداه مبسوطتان) وقوله : (ولتصنع على عيني) وحديث النـزول .
     قرَّره عن أهل الحديث والسلف الأئمةُ ، ومنهم الإمام الترمذي رحمه الله تعالى حيث قال في : "الجامع" (4/692): "والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم... أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا : نروي هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال كيف . وهذا الذي اختاره أهل الحديث: أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها" أ.هـ المراد . وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى : كما في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (3/432) : "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت به ثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تغيير ولا وصف ، ولا تشبيه. فمن فَسَّر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفارق الجماعة ، فإنهم لم يَصِفوا ولم يُفَسِّروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا ، فمن قال بقول جَهَمٍ فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء" أ.هـ. وقال الخطابي رحمه الله تعالى في : "الغنية عن الكلام وأهله" : "فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها. أي: من غير تغيير أو تفسير، ونفي الكيفية والتشبيه عنها" أ.هـ. وقال الموفق بن قدامة رحمه الله تعالى في : "ذم التأويل" (ص/11) : "ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنـزيله ، أو على لسان رسوله ، من غير زيادة عليها ، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها ـ أي : دون تغيير أو تفسير ـ "أ.هـ المراد .
    لذا أثبتوا الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة دون تغيير أو تفسير، يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى في : "شرح السنة" (1/168): "والاصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل من صفات الله تعالى، كالنَّفْس والوجه والعين، واليد والرِّجل، والإتيان والمجيء والنـزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح" أ.هـ. وقال أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى في : "عقيدة أصحاب الحديث" (ص/165) : "وكذلك يقولون ـ أي : أهل الحديث والسلف الصالح ـ في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ، ووردت به الأخبار الصحاح من السمع والبصر ، والعين والوجه، والعلم، والقوة ، والقدرة ..." أ.هـ.
  ثم لابد من اعتبار شيئين في ذلك :
أولهما : حقيقة كلمة (الصفات) ، حيث إنها جمع صفة: قال أيوب بن موسى: "الصفة في الأصل مصدر "وصفت الشيء" إذا ذَكَرتَهُ بمعانٍ فيه لكن جُعل في الاصطلاح عبارة عن كل أمر زائد على الذات، يُفهَم في ضمن فهم الذات ثبوتياً كان أو سلبياً ، والعلاقة بين الصفة والموصوف هي النِّسْبْة الثبوتية، وتلك النسبة إذا اعتُبرتْ من جانب الموصوف يُعبَّر عنها بالاتصاف ، وإذا اعتُبرتْ من جانب الصفة يَعَبَّر عنها بالقيام" . وعليه فالصفة في اللسان (معنى قائم بالذات دال عليه، كدلالة اللفظ على الكلمة) قاله في "تاج العروس" (1/593).
 وجملة (معنى قائم بالذات) أي : ثابت لها نسبةً وإضافة،لا أن ذلك حادث فيهما أو قائم بها على وجه الجسمية .
والثاني: ثبوت الصفات له قاعدة عند أهل الحديث مَرَدُّها إلى شيئين :
    الأول : ما قرَّره الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في : "الكفاية" (ص/432) بقوله : "خبر الواحد لا يُقْبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها؛ والعلة في ذلك أنه إذا لم يُعْلَم أن الخبر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان أَبْعَدَ على العلم بمضمونه أما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قَرَّرها وأخبر بها عن الله عز وجل، فإن خبر الواحد فيها مقبول  والعمل بها واجب، ويكون ما ورد فيه شرعاً لسائر المكلفين أن يعمل به" أ.هـ. المراد .
   والثاني : ما قَرَّره الخطيب البغدادي أيضاً في : "الفقيه والمتفقه" (ص/132) : "لا تَثْبت الصفة لله بقول صحابي أو تابعي إلا بما صَحَّ من الأحاديث النبوية المرفوعة المتفق على توثيق رواتها، فلا يُحْتج بالضعيف ولا بالمختلف في توثيق رواته حتى لو ورد إسنادٌ فيه مُخْتَلَف فيه وجاء حديث آخر يَعْضده فلا يُحْتَج به" أ.هـ.
    وعليه فإذا جاء خبر الثقة مخالفاً للمعلوم في حق الله وصفاته : رُدّ أو تُأَوُّل على معنى صحيح يَلِيْقُ بالله سبحانه ، وفي أصل ذلك يقول الخطيب البغدادي في : "الفقيه والمتفقه" (ص/132) : "وإذا روى الثقة المأمون خبراً متَّصل الإسناد رُدّ بأمور. أحدها : أن يُخَالف موجبات العقول فيُعْلَم بطلانه، لأن الشرع إنما يَرِدُ بمجوِّزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا . والثاني : أن يُخالف نَصَّ الكِتاب والسنة المتواترة فيُعْلَم أنه لا أصل له أو منسوخ. والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غير منسوخ وتُجْمع الأمة على خلافه . والرابع : أن يَنْفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخَلْقِ عِلْمُهُ، فيدُلَ ذلك على أنه لا أصل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون له أصل ، فلا يقبل ؛ لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية" أ.هـ. المراد.  وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في : "أعلام الحديث" (3/1898) : "الأصل في هذا وما أشبهه من أحاديث الصفات والأسماء: أنه لا يجوز ذلك إلا أن يكون كتاب ناطق أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فبما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصل في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها، أو بموافقة معانيها، وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب ، ويُتَأوَّل حينئذٍ على ما يَلِيْق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقاويل أهل الدين والعلم مع نفي التشبيه فيه" أ.هـ. المراد .
ـ وأما الثانية : فتنـزيه الله سبحانه عن معاني المِثْليَّة والتَّشْبِيه، كما قال تعالى : (ليس كمثله شيء) وقال : (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) قال ابن عباس رضي الله عنهما : (أنداداً) أشباهاً ، وقاله جمع من السلف . خَرَّجه ابن جرير الطبري في : "التفسير" (1/198) وقال : "(أندادا) جَمْعُ نِدّ، وهو العِدْل والمِثْل، وكل شيء كان له نظير لشيء، وله شبيه فهو له نِدٌّ" أ.هـ. وكذا قوله سبحانه: (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضي الله عنهما : "هل تَعْلَمُ للرّبِ مِثْلاً أو شبيها" . خرجه ابن جرير في : "التفسير" (8/316) . وقوله : (ولم يكن له كفواً أحد) قال أبيّ بن كعب رضي الله عنه : "لم يكن له شبيه ولا عِدل، وليس كمثله شيء" خرجه الحاكم في "المستدرك" (2/589) وقال : "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وخرج الطبري في "التفسير" (12/745) عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله : "ليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهار" وعن أبي العالية رحمه الله أنه قال : "لم يكن له شبيه ولا عِدْل وليس كمثله شيء" .
     وعلى ذلك التنـزيه أهل الحديث والسلف الصالح، يقول الإمام الخطيب البغدادي (ت:463هـ) ـ كما في : "تذكرة الحفاظ" (3/114) للذهبي ـ : "أما الكلام في الصفات فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح مذهبُ السلف إثباتها ، وإجراؤها على ظواهرها ـ أي : بلا تفسير ولا تغيير ـ وهي الكيفية والتشبيه عنها ـ وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه ...الأصل في هذا : أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويَحْتذِي حذوه ومثاله ، وإذا كان معلوم أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا : لله يَدُ وسمع وبصر فإنما هي صفات أَثْبَتَها الله تعالى لنفسه، ولا نقول إن معنى اليد القدرة، ولا أن معنى السمع والبصر : العلم ، ولا نقول أنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول إنما وَجَبَ إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى : (ليس كمثله شيء) و(ولم يكن له كُفُواً أحداً) "أ.هـ.
     وينبغي لحظ شيئين في ذلك:
    أولهما : معنى (التشبيه) وحقيقته . قال ابن فارس رحمه الله تعالى في : "مقاييس اللغة" : (3/243) : "الشين والباء والهاء أصل يدل على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً" وقال في : (5/296): "الميم والثاء واللام أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء. وهذا مثل هذا: أي نظيره . والمِثْل والمثال في معنى واحد ،وربما قالوا : مَثِيل كشبيه" أ.هـ. وكذا في : "تهذيب اللغة" (6/90) و"القاموس" (ص/1610) و"اللسان" (13/504) و"الصحاح" (6/2236) وغيرها . وقال الكفوي في "الكليات" (ص/270) : "التشبيه في اللغة : التمثيل مطلقاً . وفي الاصطلاح: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف من أوصاف الشيء الواحد في نفسه" أ. هـ.
    والثاني : ليس من التشبيه الباطل التَّشابه اللَّفْظي : كـ (السميع البصير) في قوله سبحانه : (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وقوله : (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) وهلم جراً من الأمثلة .
        وكذا الجائز في حق الله من المعاني، كـ (السَّمِيْع) من السَّمْع وهو إدراك الأصوات ، حيث يجوز إضافة هذا المعنى إلى الله، قال البخاري في : "جامعه" : "قالت عائشة رضي الله عنها : (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات)". قال البخاري رحمه الله تعالى في : "الصحيح" : "باب قوله تعالى: (وكان الله سميعاً عليماً) وقالت عائشة :< الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات> فأنزل الله : (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) الآية ". قال ابن بطال رحمه الله تعالى في : "شرح البخاري" (1/417) : "ومعنى قول عائشة : (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) أدرك سمعه الأصوات، لا أنه اتسع سمعه لها؛ لأن الموصوف بالسعة يَصِحَّ وصفه بالضيق بدلاً منه، والوصفان جميعاً من صفات الأجسام" أ.هـ. المراد . وأما السمع الخاص بالمخلوق فَحِسُّ الأذن وما وَقَرَ فيها، كذا في : "اللسان" (3/2096) وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في : "مفردات ألفاظ القرآن" (ص/425) : "السَّمْع قوة في الأذن به يُدْرِك الأصوات" أ.هـ. المراد . وأما ما علّقه البخاري عن عائشة رضي الله عنها فقد خرجه أحمد في : "المسند" (6/46) والنسائي في : "ألسنن" (6/168) وابن ماجه في ا: "السنن" برقم (188، 2063)، والحاكم في : "المستدرك" (2/481) وقال : "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي .
    وعلى كلٍّ فالتشابه في ذَيْنك الوجهين ليس من (التشبيه) لأن ما وصف الله به نفسه وكذا رسوله : لا يكون كذلك ألبتَّة، يقول الإمام نُعيم بن حماد الخزاعي (ت: 228هـ) ـ كما في : "شرح أصول الاعتقاد" (2/532) للالكائي : "من شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً" أ.هـ. 
-وأما الثالثة : فالتفويض مع عدم التفسير، قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في : "التفسير" (1/241) عند قوله : "إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام" : "والأولى في هذه الآية وما شاكلها : أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويَكلِ علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله عز اسمه مُنَزَّه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة . ثم قال : "قال سفيان بن عيينة : (كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ، ليس لأحد أن يُفَسِّره إلا الله سبحانه ورسوله" أ.هـ. وقال الترمذي رحمه الله تعالى في "الجامع" (4/692) : "الذي اختاره أهل الحديث : أن تُروى هذه الأشياء كما جاءتْ ويُؤْمَن بها ولا تُفَسَّر، ولا تُتَوَهَّم ولا يُقال كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه" أ.هـ. ويقول الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في : "عقيدة أهل الحديث" (ص/44) : "وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف رحمهم الله: لم يَخْتلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يُْثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به ويُصدِّقون الرب جل جلاله في خبره ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش ويُمِرُّونه على ظاهره وَيكلِون علمه إلى الله، ويقولون (آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك ورضيه منهم فأثنا عليهم به" أ.هـ.
       وحاصل حقيقة (التفويض) ثلاثة أشياء :
       أولها : أن المعنى المُتبادَر للذِّهن من أخبار الصفات غيرُ مراد ؛ لأنه لا يَلِيق بالله تعالى بل بالحسٍّيات كمعنى الجارحة في (اليد) والحَدَقَة في (العين)، والطَّرَف الأدنى الذي يَعْتَنِزُ عليه الجسم في قيامه ومَشْيه في (القَدَم) و(الرِّجْل) . وهو بَيِّن بنفي التشبيه عن الله جَلّ جلاله، ونَصَّ عليه جماعة عند تقريرهم لمذهب السلف، ومنهم ابن جماعة الكناني رحمه الله تعالى في : "إيضاح الدليل في قَطْع حُججِ أهل التعطيل" (ص/92) حيث قال بعد تقريره افتراق الأمة وظهور البدع : "فاحتاج أهل الحق إلى الرد على ما ابتدعوه، وإقامة الحجج على ما تقولوه، وانقسموا قسمين: أحدهما : أهل التأويل ... والثاني : القائلون بالقول المعروف بقول السلف وهو القطع بأن ما لا يليق بجلال الله تعالى غير مراد، والسكوت عن تعيين المراد من المعاني اللائقة بجلال الله تعالى إذا كان اللفظ محتملاً لمعاني تليق بجلال الله تعالى" أ.هـ المراد .
       وثانيها : أن هناك معنى للصفة يَلِيق بالله لكن يُسْكَتْ عن تَعْيينه وهو بَيِّن بِرَدِّ عِلْم الصِّفات إلى الله تعالى مع أن جماعة قَرَّروه عن السلف، ومنهم الإمام النووي رحمه الله تعالى في : "شرح مسلم" (3/19) حيث قال : "اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : أحدهما: وهو مذهب معظم السلف أو كلهم : أنه لا يُتَكَلَّم في معناها، بل يقولون : يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله وعظمته ، مع اعتقادنا الجازم بأن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه مُنـزَّه عن التجسيم والانتقال والتَّحيُّر في جهة وعن سائر صفات المخلوق" أ.هـ. المراد . وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في : "جامع بيان العلم وفضله" (2/97) : "رواها ـ أي : أخبار الصفات ـ السلف وسكتوا عنها، وهم كانوا أعمق الناس علماً ، وأوسعهم فهماً، وأقلهم تكلفاً، ولم يكن سكوتهم عن عِيّ، فمن لم يَسَعَه ما وَسِعَهم فقد خاب وخسر" أ.هـ.
       وثالثها : رَدُّ العلم بمعاني الصفاتِ اللائقة بالله إليه سبحانه . وفيه نُقُولٌ سبقتْ، وهو مشهور عن السلف، قال البدر العيني رحمه الله تعالى في "عمدة القاري" : (3/624) : "لا شك أن النـزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منـزه عن ذلك فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات والعلماء فيه على قسمين : الأول : المفوِّضة، يؤمنون بها يُفَوِّضون تأويلها إلى الله عز وجل مع الجزم بتنـزيهه عن صفات النقصان . والثاني : المؤولة . يؤولونها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى (ينـزل الله) : ينـزل أمره، أو ملائكته، وبأنه استعارة، ومعناه : التَّلطُّف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك" أ.هـ المراد. وقال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى : في "الإتقان" (2/6) : "ومن المتشابه آيات الصفات... وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ، ولا نُفسِّرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها"،  وقال البدر الزركشي رحمه الله تعالى في : "البرهان" (1/78ـ79) : "النوع السابع والثلاثون: في حكم المتشابهات الواردة في الصفات وقد اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق : أحدها؛ أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تُجرى على ظاهرها، ولا تُؤَوِّل شيئاً منها ، وهم المشبهة. والثاني : أن لها تأويلاً، ولكنا نمسك عنه مع تنـزيه اعتقادنا عن الشَّبه والتعطيل، ونقول : لا يعلمه إلا الله، وهو قول السلف. والثالث : بأنها مؤولة ، وأَوَّلوها على ما يليق به، والأول باطل، والأخيران منقولان عن الصحابة ... قال الشيخ أبو عمر بن الصلاح : (وعلى هذه الطريقة أي: التفويض ـ مضى صدر الأمة وسادتها ،وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها ، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يَصْدق عنها ويأباها. وأفصح الغَزَّالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألْجم آخراً في (إلجامه) كل عالم أو عامي عما عداها) . قال : وهو كتاب : "إلجام العوام عن علم الكلام" آخر تصانيف الغزالي مطلقاً، آخر تصانيفه في أصول الدين، حَثَّ فيه على مذاهب السلف وَمْن تبعهم" أ.هـ. المراد .
   وتلك المعاني الثلاثة لـ (التفويض) لخَّصها جماعة عند التعريف بتفويض السلف ، ومنهم البدر العيني في : "عمدة القاري" (9/188) حيث عَرَّف التفويض في الصفات بقوله : "وهو الإيمان بأنها حق على ما أراد الله، ولها معنى يليق به، وظاهرها غير مراد" أ.هـ. والمراد بـ (الظاهر) هنا (ما يُفْهَم عند الإطلاق على الأجسام) قاله الشهرستاني في : "الملل والنحل" (1/175) .
     وعلى ذلك المعتقد مضت القرون الفاضلة، يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى في : "العقيدة النظامية" (ص/32) : "اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب ، وما يصح من السنن ، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الله تعالى. والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المُتَّبع" أ.هـ. قال الحافظ في : "الفتح" (13/407) "وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار، كالثوري والأوزاعي، ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة. وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة" أ.هـ.
     ثم ينبغي التَّنبيه إلى شيئين في التفويض:
       الأول : أن محل التفويض فيما يوهم التشبيه ، لا فيما تَمحَّض للكمال أو النقص، كذا الأصل. قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في : "العواصم والقواصم" (2/42) : "والأحاديث الصحيحة في هذا الباب ـ أي : باب الصفات لله على ثلاث مراتب :
       الأولى : ما ورد من الألفاظ وهو كمال محض ليس للنقائص والآفات فيه حظ ، فهذا يجب اعتقاده .
       الثانية : ما ورد وهو نقص محض، فهذا ليس لله تعالى فيه نصيب، فلا يضاف إليه إلا وهو محجوب عنه في المعنى ضرورةً ، كقوله : "عبدي : مرضتُ فلم تَعُدْني" ، وما أشبهه .
الثالثة : ما يكون كمالاً ولكنه يوهم تشبيهاً" أ. هـ المراد .
وقد مثَّل على المتمحض للكمال بـ "الوحدانية والعلم والحياة وعدم المثل والنظير) ونحوها . وضرب على المحتمل للنقصان بـ (اليد والأصابع) ونحوها ، لذا جعل جمع مذهب السلف على التأويل الإجمالي خلافاً للخلف كالأشاعرة، ومنهم عبد السلام اللقَّاني رحمه الله تعالى (1078هـ) حيث قال في : "إتحاف المريد بشرح جوهرة التوحيد" (131) شرحاً لـ :
وكـل نصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبيها               أوِّلـه أو فوِّض ورُمْ تَنْزِهـا
"(وكل نص) أي : لفظٍ ناصٍ ورد في كتاب أو سنة صحيحة (أوهم التشبيها) باعتبار ظاهر دلالته، أي : أَوْقَعَ في الوهم صحة القول به ... (أوِّله) وجوباً؛ بأن تحمله على خلاف ظاهره، والمراد (أوِّله تفصيلاً) مُعَيِّناً فيه المعنى الخاص ... كما هو مختار "الخلف" من المتأخرين ... وأشار لتنويع الخلاف بقوله : "أَو فَوِّض" عِلْمَ المعنى المراد من ذلك النص تفصيلاً إليه تعالى، وأَوِّله إجمالاً كما هو طريق السلف . (ورُمْ) أي : اقصد واعتقد مع تفويض علم ذلك المعنى (تنـزيهاً) له تعالى عما لا يليق به، فالسلف يُنَزِّهونه سبحانه عما يُوهِمُه ذلك الظاهر من المعنى المحال ، ويفوضون علم حقيقته على التفصيل إليه تعالى، مع اعتقاد أن هذه النصوص من عنده سبحانه. فظهر مما قَرَّرنا : اتفاق السلف والخلف على تنـزيهه تعالى عن المعنى المحال الذي دل عليه ذلك الظاهر ـ وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهره المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله، جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكنهم اختلفوا في تعيين مَحْمَلٍ له معنى صحيح وعدم تعيينه" أ.هـ. وقال الشيخ الدردير رحمه الله تعالى (1201هـ) في : "شرح الخريدة البهية" (ص/43) : "واشتبه الأمر . أي : في باب الصفات ـ على أقوام وقوفاً مع الأمور العادية، وتَمَسُّكاً بظواهر نصوص شرعية... وأجاب ائمتنا : سَلَفُهُم : بأن الله تعالى منـزَّه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى؛ إيثاراً للطريق الأسلم (وما يعلم تأويله إلا الله) . وخَلَفُهُم: بتعيين محامل صحيحة إبطالاً لمذهب الضالين، وإرشاداً للقاصدين... والحاصل أنه لابد من تأويلٍ، أي : حمل اللفظ على غير ظاهره، إلا أن الخلف عينوا المحامل فتأويلهم تفصيلي، وتأويل السلف إجمالي" أ.هـ.
وقال الزرقاني رحمه الله تعالى (1367هـ) ملخصاً الفَارِق كما في كتابه : "مناهل العرفان" (ص/162) : "علماؤنا أجزل الله مثوبتهم قد اتفقوا على ثلاثة أمور تتعلَّق بهذه المتشابهات، ثم اختلفوا فيما وراءها :
فأول ما اتفقوا عليه صرفُها عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد أن هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعاً . كيف وهذه الظواهر باطلة بالأدلة القطعية ، وبما هو معروف عن الشارع نفسه في محكماته .
ثانية : أنه إذا توقَّف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ، ويرد طعن الطاعنين .
ثالثة : أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يُفْهم منه فهماً قريباً ، وجب القول به إجماعاً، وذلك كقوله سبحانه : "وهو معكم أين ما كنتم" ؛ فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعاً، وليس لها بعد ذلك إلا تأويل واحد، هو الكينونة معهم بالإحاطة علماً وسمعاً وبصراً وقدرة وإرادة .
وأما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : مذهب السلف ، ويُسمَّى مذهب (المُفوِّضة) بكسر الواو وتشديدها، وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، بعد تنـزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة ـ أي : على الله ـ ...
المذهب الثاني : مذهب الخَلَف ، ويسمى مذهب (المُؤوِّلة) بتشديد الواو وكسرها... "أ.هـ.
الثاني : قال الشيخ القضاعي رحمه الله تعالى في : "فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان" (ص/80) :" إذا سمعتَ في عبارات بعض السلف: (إنما نؤمن بأن له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي) فلا تَظُن أنهم أرادوا ذاته العليَّة منقسمة إلى أجزاء وأبعاض ، فجزء منها يد، وجزء منها وجه، غير أنه لا يُشابه الأيدي والوجوه التي للخلق، حاشاهم من ذلك، وما هذا إلا التشبيه بعينه، وإنما أرادوا بذلك أن لفظ اليد والوجه قد استُعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات التي تليق بالذات العلية كالعظمة والقدرة، غير أنهم يتورَّعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التَّهجُّم على ذلك المقام الأقدس، وانتهز المُجسِّمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام" أ.هـ المراد .
ولهذه اللُّوْثة اختار جمهور الخلف من علماء الأمة بدعة التأويل الخاص على كفر الحمل على الظاهر مع تصحيحهم مذهب السلف بأنه أسلم، وفي ذلك يقول العلاء بن عابدين رحمه الله تعالى (1306هـ) في : "الهدية العلائية" (ص/471) : "وأما الخلف فلما ظهرت البدع والضلالات ارتكبوا تأويل ذلك. وصَرْفه عن ظاهره مخافة الكفر، فاختاروا بدعة التأويل على كفر الحَمْل على الظاهر الموهم التجسيم والتشبيه، وقالوا : استوى بمعنى استولى... واليد بمعنى القدرة، والنـزول بمعنى نزول الرحمة " أ.هـ. المراد .
وقانون التأويل عند الخلف قائم على قواعد اللغة ورد تلك الأخبار إلى صفات الفعل، يقول أبو محمد الجويني رحمه الله تعالى-كما في: "إتحاف السادة المتقين"(2/110)- مبينا طريقة الخلف: "والطريقة الثانية: الكلام فيها وفي تفسيرها؛ بأن يردها عن صفات الذات إلى صفات الفعل، فيحمل النزول على قرب الرحمة،واليد على النعمة،والإستواء على القهر والقدرة"أ.هـ.المراد.وقال المرتضى الزبيدي رحمه الله تعالى في: "إتحاف السادة المتقين"(2/109) : "وشرط التأويل أن يكون على مقتضى لسان العرب"أ.هـ.
لذا جعله العز   بن عبد السلام رحمه الله تعالى في: "فتاويه"(ص/22) بدعة حسنة لرد التشبيه، حيث قال: "وليس الكلام في هذا بدعة قبيحة، وإنما الكلام فيه بدعة حسنة، واجبة لما ظهرت الشبهة،
وإنما سكت السلف عن الكلام فيه، إذ لم يكن في عصرهم من يحمل كلام الله ورسوله على ما لا يجوز حمله عليه، ولو ظهرت في عصرهم شبهة لكذبوهم، وأنكروا عليهم غاية الإنكار، فقد رد الصحابة والسلف على القدرية لما أظهروا بدعتهم، ولم يكونوا قبل ظهورهم يتكلمون في ذلك، ولا يردون على ذلك، ولا يردون على قائله، ولا نقل عن أحد من الصحابة شيء من ذلك إذ لا تدعو الحاجة إليه. والله أعلم" أ.هـ.
تمت بحمد الله
 
القاعدة السلفية في الصفات السمعية
بقلم: خادم الشريعة (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

الاثنين، 21 أغسطس 2017

العلة الغائية

قال العلامة السيد الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى :

إذا ترتب على فعلٍ أثرٌ فذلك الأثر :

ــ من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يُسمى فائدة له ،

ــ ومن حيث إنه على طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له

؛ ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ،

ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين :

أ ـ إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يُسمى بالقياس إلى الفاعل : غرضا ومقصودا ، ويُسمى بالقياس إلى فعله : علة غائية

؛ فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار

ب ـ فإن لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية

؛ فالفائدة أعم من العلة الغائية ،


فإذا تمهد هذا فنقول :

أفعاله سبحانه وتعالى يترتب عليها مصالح وحكم لا تحصى ولا تعد فذهب الأشاعرة و الحكماء إلى أن تلك الحكم والمصالح غايات لأفعاله تعالى ومنافع راجعة إلى مخلوقاته ، وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين :


1ــ أحدهما أن من كان فاعلا لغرض فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وإلا لم يصح أن يكون غرضا ؛ فيكون الفاعل حينئذ مستفيدا لتلك الأولوية ومستكمَلا بغيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،

لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا

؛ لأنا نقول : إذا كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح أن يكون الإحسان غرضا
و إن كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال.

2ــ والثاني من الوجهين أن غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله ، كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره ، ولا مجال للنقصان بالنسبة إليه كما لا يخفى ،

بل كمال الله تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك المصالح غايات وثمرات لأفعاله لا علل غائية لها ،

واتضح بما حققناه :

أن ليس شيء من أفعاله عبثا أي : خاليا عن الحكمة والمصلحة

وأن لا سبيل للاستكمال والنقصان إلى سرادقات عظمته و كبريائه ،

وهذا هو المذهب الصحيح والحق الصريح الذي لا تُشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة ،

وما ورد من الآيات والأحاديث الموهمة لكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض فهي محمولة على الغايات المترتبة عليها ، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة و الأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامة على مقتضى قولهم : كلموا الناس على قدر عقولهم.

والله أعلم


انتهى كلامه رحمه الله

الخميس، 23 فبراير 2017

الصفات الخبرية عند الحنابلة

الحمد لله أما بعد :

فهذا تقرير لمذهب الحنابلة في الصفات الخبرية فأقول مستعينا بالله :

 إن أخبار الصفات على المعتمد في مذهب الحنابلة من المتشابه وأن المتشابه غير متضح المعنى إما لاشتراك أو إجمال أو ظهور تشبيه بخلاف المحكم فهو متضح المعنى وإليك نصوصهم في ذلك :

قال ابن قدامة في روضة الناظر : ( والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله سبحانه ) اهـ

وقال ابن مفلح في أصوله : ( والمحكم ما اتضح معناه فلم يحتج إلى بيان والمتشابه عكسه لاشتراك أو إجمال قال جماعة من أصحابنا وغيرهم وما ظاهره التشبيه كصفات الله ) اهـ

وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( والمتشابه مقابل المحكم وهو غير المتضح المعنى، فتشتبه بعض محتملاته ببعض للاشتراك، أي: تشابهه، وعدم اتضاح معناه إما لاشتراك كلفظ العين والقرء ... أو لظهور تشبيه في صفات الله تعالى، كآيات الصفات وأخبارها، نحو: "ويبقى وجه ربك"، "لما خلقت بيدي"، "بل يداه مبسوطتان"، "يد الله ملأى لا تَغِيضها النفقة"، فيضع الجبار قدمه"، "فيظهر لهم في الصورة التي يعرفونها"، "خلق الله آدم على صورة الرحمن"، ونحو ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة ) اهـ

وقال المرداوي في التحبير شرح التحرير : ( والأصح : أنّ المُحْكم  ما اتضح مَعناه، والمتشابه عكسه لاشتراكٍ أو إجمال أو ظهور التشبيه ، كصفات الله تعال ) اهـ

وعلى ما تقدم فلا يجوز الجزم بتفسير أو تأويل آيات الصفات الخبرية . 
قال نجم الدين الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( لأن هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره فجسموا وشبهوا، وفَرَّ قوم من التشبيه فتأولوا وحرفوا فعطلوا، وتوسط قوم فسلّموا وأَمرّوه كما جاء مع اعتقاد التنزيه فَسَلِموا، وهم أهل السنة ) اهـ

وقال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات : ( مذهب السلف وإليه ذهب الحنابلة وكثير من المحققين عدم الخوض خصوصا في  مسائل الأسماء والصفات فإنه ظن والظن يخطئ ويصيب فيكون من باب القول على الله بلا علم وهو محظور ويمتنعون من التعيين خشية الإلحاد في الأسماء والصفات ولهذا قالوا والسؤال عنه بدعة فإنه لم يعهد من الصحابة التصرف في أسمائه تعالى وصفاته بالظنون وحيث عملوا بالظنون فإنما عملوا بها في تفاصيل الأحكام الشرعية لا في المعتقدات الإيمانية ) اهـ

وقال الحافظ ابن رجب في فضل علم السلف على الخلف : ( والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ) اهـ

ولا بد بعد ما قررناه من تنبيهات :


الأول : القول بأن آيات وأحاديث الصفات لا معنى لها ولا مفهوم منها باطل فالحنابلة  يقرون بأن للآيات والأحاديث معاني، ولكنهم يَكِلون معنى الصفة منها إلى الله، مع قطعهم أن لها معنى لائقا به سبحانه .
قال ابن الجوزي في زاد المسير : ( والمراد بقوله: "بل يداه مبسوطتان" أنه جواد ينفق كيف يشاء، وإلى نحو هذا ذهب ابن الأنباري. قال ابن عباس: إن شاء وسَّع في الرزق، وإن شاء قَتَّر ) ا.هـ.

الثاني : أنه ليس في كتاب الله ما لا معنى له .
قال العلاء المرداوي في شرح التحرير: ( (وليس فيه ـ أي: الكتاب... ما لا معنى له) وهذا مما يقطع به كل عاقل، ممن شم رائحة العلم، ولا يخالف في ذلك إلا جاهل أو معاند؛ لأن ما لا معنى له هذيان، ولا يليق النطق به من عاقل، فكيف بالباري سبحانه وتعالى ) ا.هـ

الثالث : أن ليس جميع الصفات من المتشابه فالمتشابه من الصفات ما أوهم التشبيه والتمثيل كـ (الوجه)، و(اليد)، و(الأصبع)، و(الرجل)، و(القدم)، و(الساق)، و(النزول)، و(العين)، و(المجيء)، و(الإتيان). 
قال السفاريني في لوامع الأنوار : ( فكل ما جاء عن الله تعالى في القرآن العظيم من الآيات القرآنية أو صَحّ مجيئه في الأخبار بالأسانيد الثابتة المرضية عن رواة ثقات في النقل، وهم العدول الضابطون المرضيون عن أهل الفن العارفين بالجرح والتعديل، من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصريحة: مما يوهم تشبيهاً أو تمثيلاً فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. نؤمن به، وبأنه من عند الله تعالى، ونُمِرُّه كما قد جاء عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اهـ

الرابع : حمل الحنابلة الصفات على ظاهرها إنما هو من جهة الاشتراك اللفظي .
قال الطوفي في شرح مختصر الروضة : ( فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله ، لنا أن نسكت عنها ، ولنا أن نتكلم فيها ، فإن سكتنا عنها قلنا : تمر كما جاءت ، كما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف ، وإن تكلمنا فيها ، قلنا : هي على ظواهرها من غير تحريف ، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل ، لكن الكلام يبقى في ظواهرها ما هي ؟ فالجهمية لقصور نظرهم ومعرفتهم بالأحكام الإلهية ، لم يفهموا منها إلا الظاهر المشاهد من المخلوقين ، من يد ، وقدم ووجه وغير ذلك ، فلذلك حرفوها عن ظواهرها إلى مجازات بعيدة . 
ونحن نقول : المراد بظواهر النصوص معان ، هي حقائق فيها ، ثابتة لله سبحانه وتعالى ، مخالفة للمعاني المفهومة من المخلوقين ، وذلك على جهة الاشتراك ) اهـ

وقال في حلال العقد ( قاعدة : أهملنا إلحاقها بفصل الصفات فلنلحقها هنا .
وذلك أن الناس اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها، نحو : "بل يداه مبسوطتان" ، "ويبقى وجه ربك" ...
فمنهم من حملها على ظواهرها المتعارفة فجسم ومثل .
ومنهم من تأولها على معاني محتملة في الجملة؛ فرارا من التجسيم فأبطل وعطل .
ومنهم من جعلها ألفاظا مشتركة بين صفات المخلوقين، وصفات الله عز وجل، حقائق بالنسبة إلى ذاته المقدسة، كالعين المشتركة بين عين الماء وعين الذهب،  فيقول لي يد حقيقة، ولله عز وجل حقيقة، ولا اشتراك بين اليدين إلا في لفظ اليد، أما مدلولها فيد الله حقيقة لائقة به عز وجل، كما أن لي ذاتا ولله عز وجل ذاتا، ولا اشتراك إلا في الاسم، وهذا رأي الحنابلة وجمهور أهل السنة، وهو مذهب جيد صحيح عند من فهمه لا غبار عليه ) اهـ

الخامسأن الله خاطبنا بما لا نعقله أو لم نطلع على تأويله ليختبر طاعتنا .
قال ابن قدامة في روضة الناظر : ( فإن قيل: فكيف يخاطب الله الخلق بما لا يعقلونه، أم كيف ينزل على رسوله ما لا يطلع على تأويله؟
قلنا:
يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله؛ ليختبر طاعتهم، كما قال -تعالى-: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين" "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَم ... " الآية "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس".
وكما اختبرهم بالإيمان بالحروف المقطعة مع أنه لا يعلم معناها ) اهـ

السادس : أن ما ورد في بعض الآثار ( الاستواء معلوم )  ليس المراد منه أنه معلوم المعنى بل المراد منه أنه معلوم الورود.
قال ابن قدامة في ذم التأويل : ( وقولهم "الاستواء غير مجهول" أي غير مجهول الوجود لأن الله تعالى أخبر به ، وخبره صدق يقيناً لا يجوز الشك فيه ولا الارتياب فيه ، فكان غير مجهول لحصول العلم به ، وقد روي في بعض الألفاظ "الاستواء معلوم" ) اهـ

وقال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات ( والذي يقتضيه صريح اللفظ أن المراد بقولهم " الاستواء معلوم" أي وصفه تعالى بأنه على العرش استوى معلوم بطريق القطع الثابت بالتواتر فالوقوف على حقيقة أمر يعود إلى الكيفية وهو الذي فيه "والكيف مجهول" والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية فإن الكيفية تبع للماهية ) اهـ

وقال السفاريني في لوامع الأنوار : ( فمعنى قول أم سلمة - رضي الله عنها - في الحديث ومن نحا نحوها من الأئمة : "الاستواء معلوم " أي وصفه تعالى بأنه تعالى على العرش استوى استواء معلوم بطريق النقل الثابت بالتواتر ، وأما الوقوف على حقيقة أمر يعود إلى الكيفية فمجهول ، والجهالة فيه من جهة أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الكيفية لأنها تبع للماهية ) اهـ 

وأختم بقول ابن قدامة في تحريم النظر : ( وأما إيماننا بالآيات وأخبار الصفات فإنما هو إيمان بمجرد الألفاظ التي لا شك في صحتها ولا ريب في صدقها ، وقائلُها أعلم بمعناها فآمنا بها على المعنى الذي أراد ربنا تبارك وتعالى فجمعنا بين الإيمان الواجب ونفي التشبيه المحرم … وأما قوله : هاتوا أخبرونا ما الذي يظهر لكم من معنى هذه الألفاظ الواردة في الصفات ؟ فهذا قد تسرع في التجاهل والتعامي كأنه لا يعرف معتقد أهل السنة وقولَهم فيها وقد تربى بين أهلها وعرف أقوالهم فيها وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أبكمه وأعمى قلبه إلى هذا الحد بحيث لا يعلم مقالتهم فيها مع معاشرته لهم واطلاعه على كتبهم .. وبين أنه إذا سألَنا سائل عن معنى هذه الألفاظ قلنا : لا نزيدك على ألفاظها زيادة تفيد معنى بل قراءتها تفسيرها من غير معنى بعينه ولا تفسير بنفسه ، ولكن قد علمنا أن لها معنى في الجملة يعلمه المتكلم بها فنحن نؤمن بها بذلك المعنى ومن كان كذلك كيف يسأل عن معنى وهو يقول لا أعلمه ؟ ) اهـ



هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

السبت، 18 فبراير 2017

التبرك بقبور الصالحين من غير الأنبياء عند المذاهب الأربعة

الحمدلله أما بعد
فإن التبرك بقبور الصالحين من غير الأنبياء مشروع عند المذاهب الأربعة ، وإليك بعض تقريراتهم من كتبهم المعتمدة :

عند الحنفية : 

في رد المحتار على الدر المختار ( وقال الخير الرملي : إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جرت به عادتهن فلا تجوز ، وعليه حمل حديث "لعن الله زائرات القبور" وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء والتبرك بزيارة قبور الصالحين فلا بأس إذا كن عجائز . ويكره إذا كن شواب كحضور الجماعة في المساجد اهـ وهو توفيق حسن ).اهـ

وفي حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ( وفي السراج: وأما النساء إذا أردن زيارة القبور إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب كما جرت به عادتهن فلا تجوز لهن الزيارة وعليه يحمل الحديث الصحيح "لعن الله زائرات القبور" وإن كان للاعتبار والترحم والتبرك بزيارة قبور الصالحين من غير ما يخالف الشرع فلا بأس به إذا كن عجائز وكره ذلك للشابات كحضورهن في المساجد للجماعات اهـ ) اهـ


عند المالكية :

في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( وأما ما يفعله الناس من حمل تراب المقابر للتبرك فذكر في "المعيار" أنه جائز ، قال : ومازالت الناس يحملونه ويتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين ) اهـ


عند الشافعية :

في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ( ويكره أن يجعل على القبر مظلة ، وأن يقبل التابوت الذي يجعل فوق القبر كما يكره تقبيل القبر واستلامه وتقبيل الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء .
نعم إن قصد بتقبيل أضرحتهم التبرك لم يكره كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ، فقد صرحوا بأنه إذا عجز عن استلام الحجر يسن له أن يشير بعصا ، وأن يقبلها ، وقالوا : أي أجزاء البيت قبل فحسن ) اهـ


عند الحنابلة :

في المغني لابن قدامة ( ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء ; لتناله بركتهم ، وكذلك في البقاع الشريفة ) اهـ

وفي مطالب أولي النهى ( ( و ) يستحب الدفن في ( البقاع الشريفة ) ، لحديث أبي هريرة مرفوعا أن موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - لما حضره الموت سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر وقال عمر : " اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك " متفق عليهما .
( ومجاورة الصالحين ) لتناله بركتهم . ) اهـ

وفيما نقلت كفاية لمن أراد معرفة الحق والله ولي التوفيق

الجمعة، 2 يناير 2015

حسن المقصد في عمل المولد

حسن المقصد في عمل المولد
للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفي سنة 911 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.

وبعــــد: فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟ وهل هو محمود أو مذموم؟ وهل يثاب فاعله أو لا؟.

الجـواب:

عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.

وأول من أحدث فعل ذلك صاحب اربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد، وكان له آثار حسنة، وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون.

قال ابن كثير في تاريخه:

كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه.

قال: وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدا في المولد النبوي سماه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة.

وقال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمن:

حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه عد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوي وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى.

قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة، فكان يصرف على هذه الدار في كل سنة مائة ألف دينار، وكان يستفك من الفرنج في كل سنة أسارى بمائتي ألف دينار، وكان يصرف على الحرمين والمياه بدرب الحجاز في كل سنة ثلاثين ألف دينار، هذا كله سوى صدقات السر، وحكت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب أخت الملك الناصر صلاح الدين أن قميصه كان من كرباس غليظ لا يساوي خمسة دراهم، قالت: فعاتبته في ذلك فقال: لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير والمسكين.

وقال ابن خلكان في ترجمة الحافظ أبي الخطاب ابن دحية:

كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، قدم من المغرب فدخل الشام والعراق واجتاز بإربل سنة أربع وستمائة فوجد ملكها المعظم مظفر الدين بن زين الدين يعتني بالمولد النبوي فعمل له كتاب (التنوير في مولد البشير النذير)، وقرأه عليه بنفسه فأجازه بألف دينار.

قال: وقد سمعناه على السلطان في ستة مجالس في سنة خمس وعشرين وستمائة. انتهى.

وقد ادعى الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني من متأخري المالكية أن عمل المولد بدعة مذمومة، وألف في ذلك كتابا سماه (المورد في الكلام على عمل المولد)، وأنا أسوقه هنا برمته وأتكلم عليه حرفا حرفا؛ قال رحمه الله:

الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء أثر السلف الصالحين حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهر سرائرنا من حدث الحوادث والابتداع في الدين، أحمده على ما من به من أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه من التمسك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين.

أما بعـد: فإنه تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه (المولد) هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين؟، وقصدوا الجواب عن ذلك مبيناً، والإيضاح عنه معينا، فقلت وبالله التوفيق:

لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو محرما، وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين:

أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة وزين الأمكنة.

والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالجاه كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهن أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى(إن ربك لبالمرصاد)، وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات المحرمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدا).

ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازناه:

قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة

وصار أهل العلم في وهدة * وصار أهل الجهل في رتبة

جازوا عن الحق فما للذي * ساروا به فيما مضى نسبة

فقلت للأبرار أهل التقى * والدين لما اشتدت الكربة

لا تنكروا أحوالكم قد أتت * نوبتكم في زمن الغربة

ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.

هذا جميع ما أورده الفاكهاني في كتابه المذكور.

وأقـــول:

أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، فيقال عليه: نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً، وسيأتي ذكرها بعد هذا.

وقوله: بل هو بدعة أحدثها البطالون... إلى قوله: ولا العلماء المتدينون يقال عليه: قد تقدم أنه أحدثه ملك عادل عالم، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية، وصنف له من أجله كتاباً، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقروه ولم ينكروه.

وقوله: ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع يقال عليه: إن الطلب في المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس على الأصلين الآتي ذكرهما.

وقوله: ولا جائز أن يكون مباحا لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين: كلام غير مسلم، لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا: مباحة ومندوبة وواجبة.

قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات:

البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله علبه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة.

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد:

البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة.

قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي محرمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة.

وذكر لكل قسم من هذه الخمسة أمثلة إلى أن قال:

وللبدع المندوبة أمثلة: منها: إحداث الربط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها: التراويح، والكلام في دقائق التصوف، وفي الجدل، ومنها: جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله تعالى.

وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال:

المحدثات من الأمور ضربان:

أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة.

والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة.

وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى.

هذا آخر كلام الشافعي.

فعرف بذلك منع قول الشيخ تاج الدين: ولا جائز أن يكون مباحا... إلى قوله: وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة إلى آخره؛ لأن هذا القسم مما أحدث، وليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان فهو من البدع المندوبة كما في عبارة ابن عبد السلام.

وقوله: والثاني ...إلى آخره، هو كلام صحيح في نفسه غير أن التحريم فيه إنما جاء من قبل هذه الأشياء المحرمة التي ضمت إليه، لا من حيث الاجتماع لإظهار شعار المولد، بل لو وقع مثل هذه الأمور في الاجتماع لصلاة الجمعة مثلا لكانت قبيحة شنيعة، ولا يلزم من ذلك ذم أصل الاجتماع لصلاة الجمعة كما هو واضح، وقد رأينا بعض هذه الأمور يقع في ليالي من رمضان عند اجتماع الناس لصلاة التراويح، فهل يتصور ذم الاجتماع لأجل هذه الأمور التي قرنت بها، كلا، بل نقول: أصل الاجتماع لصلاة التراويح سنة وقربة وما ضم إليها من هذه الأمور قبيح شنيع، وكذلك نقول: أصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة وما ضم إليه من هذه الأمور مذموم وممنوع.

وقوله: مع أن الشهر الذي ولد فيه ... إلى آخره جوابه أن يقال:

أولاً: إن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، والصبر والسلوان والكتم عند المصائب، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، وهي إظهار شكر وفرح بالمولود، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته.

وقد قال ابن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين: لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف ممن هو دونهم.

وقد تكلم الإمام أبو عبد الله ابن الحاج في كتابه المدخل على عمل المولد فأتقن الكلام فيه جدا، وحاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات.

وأنا أسوق كلامه فصلا فصلا قال:

(فصل في المولد)

ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى ذلك على بدع ومحرمات جملة، فمن ذلك استعمال المغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع، ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشغلون أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ومحرمات، ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه، فكيف به إذا انضم إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي الكريم، فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبين هذا الشهر الكريم الذي من الله علينا فيه بسيد الأولين والآخرين، وكان يجب أن يزاد فيه من العبادة والخير شكرا للمولى على ما أولانا به من هذه النعم العظيمة، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره من الشهور شيئا من العبادات، وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم لأمته ورفقه بهم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته رحمة منه بهم، لكن أشار عليه السلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: (ذاك يوم ولدت فيه)، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله عليه السلام (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي)، وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله به من العبادات التي تفعل فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تشرف لذاتها وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني، فانظر إلى ما خص الله به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم لأنه صلى الله عليه وسلم ولد فيه، فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به اتباعا له صلى الله عليه وسلم في كونه كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل البر فيها وكثرة الخيرات، ألا ترى إلى قول ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان) فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله على قدر استطاعتنا.

فإن قال قائل: قد التزم عليه الصلاة والسلام في الأوقات الفاضلة ما التزمه مما قد علم، ولم يلتزم في هذا الشهر ما التزمه في غيره، فالجواب أن ذلك لما علم من عادته الكريمة أنه يريد التخفيف عن أمته، سيما فيما كان يخصه، ألا ترى إلى أنه عليه السلام حرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة، ومع ذلك لم يشرع في قتل صيده ولا شجره الجزاء تخفيفا على أمته ورحمة بهم، فكان ينظر إلى ما هو من جهته وإن كان فاضلا في نفسه فيتركه للتخفيف عنهم، فعلى هذا تعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه والصدقات إلى غير ذلك من القربات، فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما يحرم عليه ويسكن له تعظيما لهذا الشهر الشريف، وإن كان ذلك مطلوبا في غيره إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر الحرم، فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي.

وقد ارتكب بعضهم في هذا الزمن ضد هذا المعنى، وهو أنه إذا دخل هذا الشهر العظيم تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما، ويا ليتهم عملوا المغاني ليس إلا، بل يزعم بعضهم أنه يتأدب فيبدأ المولد بقراءة الكتاب العزيز، وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالتهوك والطرق المبهجة لطرب النفوس، وهذا فيه وجوه من المفاسد، ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل ضم بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر، وهو أن يكون المغني شابا لطيف الصورة حسن الصوت والكسوة والهيئة، فينشد التغزل ويتكسر في صوته وحركاته، فيفتن بعض من معه من الرجال والنساء، فتقع الفتنة في الفريقين ويثور من المفاسد ما لا يحصى، وقد يؤول ذلك في الغالب إلى فساد حال الزوج وحال الزوجة ويحصل الفراق والنكد العاجل وتشتت أمرهم بعد جمعهم.

وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع، فإن خلا منه وعمل طعاما فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، لأن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن تبع فيسعنا ما وسعهم. انتهى.

وحاصل ما ذكره: أنه لم يذم المولد، بل ذم ما يحتوي عليه من المحرمات والمنكرات، وأول كلامه صريح في أنه ينبغي أن يخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذي استحسناه، فإنه ليس فيه شيء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة.

وأما قوله آخراً: إنه بدعة، فإما أن يكون مناقضاً لما تقدم أو يحمل على أنه بدعة حسنة كما تقدم تقريره في صدر الكتاب، أو يحمل على أن فعل ذلك خير والبدعة منه نية المولد، كما أشار إليه بقوله: فهو بدعة بنفس نيته فقط، وبقوله: ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد.

فظاهر هذا الكلام أنه كره أن ينوي به المولد فقط، ولم يكره عمل الطعام ودعاء الإخوان إليه، وهذا إذا حقق النظر لا يجتمع مع أول كلامه، لأنه حث فيه على زيادة فعل البر وما ذكر معه على وجه الشكر لله تعالى إذا أوجد في هذا الشهر الشريف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى نية المولد فكيف يذم هذا القدر مع الحث عليه أولاً.

وأما مجرد فعل البر وما ذكر معه من غير نية أصلاً فإنه لا يكاد يتصور، ولو تصور لم يكن عبادة، ولا ثواب فيه إذ لا عمل إلا بنية، ولا نية هنا إلا الشكر لله تعالى على ولادة هذا النبي الكريم في هذا الشهر الشريف، وهذا معنى نية المولد فهي نية مستحسنة بلا شك فتأمل.

ثم قال ابن الحاج: ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم، ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح أو المواسم، ويريد أن يستردها ويستحي أن يطلبها بذاته، فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا لأخذ ما اجتمع له عند الناس، وهذا فيه وجوه من المفاسد منها: أنه يتصف بصفة النفاق، وهو أن يظهر خلاف ما يبطن، إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة، وباطنه أنه يجمع به فضة، ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع الدراهم أو طلب ثناء الناس عليه ومساعدتهم له، وهذا أيضا فيه من المفاسد ما لا يخفى. انتهى.

وهذا أيضا من نمط ما تقدم ذكره، وهو أن الذم فيه إنما حصل من عدم النية الصالحة، لا من أصل عمل المولد.

وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل ابن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه:

أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا.

قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم؟ فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى أي يوم من السنة، وفيه ما فيه.

فهذا ما يتعلق بأصل عمله.

وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة.

وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحاً بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروهاً فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. انتهى.

قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات.

ثم رأيت إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه:

قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه -، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.

فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى اله عليه وسلم به فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم.

وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى (مورد الصادي في مولد الهادي):

قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أنشد:

إذا كان هـذا كافرا جـاء ذمـه   *    وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدا

أتى أنـه في يـوم الاثنين دائـما   *    يخفف عنه للسـرور بأحــمدا

فما الظن بالعبد الذي طول عمره   *    بأحمد مسرورا ومات موحـــدا

وقال الكمال الأدفوي في (الطالع السعيد):

حكى لنا صاحبنا العدل ناصر الدين محمود ابن العماد، أن أبا الطيب محمد ابن إبراهيم السبتي المالكي نزيل قوص أحد العلماء العاملين كان يجوز بالمكتب في اليوم الذي فيه ولد النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا فقيه، هذا يوم سرور، اصرف الصبيان، فيصرفنا.

وهذا منه دليل على تقريره وعدم إنكاره، وهذا الرجل كان فقيهاً مالكياً متفنناً في العلوم متورعاً، أخذ عنه أبو حيان وغيره، ومات سنة خمس وتسعين وستمائة.

(فائدة) قال ابن الحاج:

فإن قيل: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خص مولده الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين، ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها.

فالجواب من أربعة أوجه:

الأول: ما ورد في الحديث من أن الله خلق الشجر يوم الاثنين، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يمتد به بنو آدم ويحيون وتطيب بها نفوسهم.

الثاني: أن في لفظه ربيع إشارة وتفاؤلاً حسناً بالنسبة إلى اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب.

الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها.

الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو ولد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها.

***

الجمعة، 12 سبتمبر 2014

هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق ؟

قال ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية: ( فصل: الإنكار على النساء الأجانب كشف وجوههن . 

هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق ؟ ينبني على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها ، أو يجب غض البصر عنها ، أو في المسألة قولان ؟ قال القاضي عياض في حديث جرير قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة { فأمرني أن أصرف بصري } . رواه مسلم قال العلماء رحمهم الله تعالى : وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها ، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي . 

ذكره الشيخ محيي الدين النواوي ، ولم يزد عليه ، وقال في المغني عقيب إنكار عمر رضي الله عنه على الأمة التستر : وقوله : إنما القناع للحرائر قال : ولو كان نظر ذلك محرما لما منع من ستره ، بل أمر به ، وكذلك احتج هو وغيره على الأصحاب وغيرهم بقول النبي : صلى الله عليه وسلم { إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه } . 

وقال الشيخ تقي الدين : وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز ، ولمن اختار هذا أن يقول : حديث جرير لا حجة فيه ; لأنه إنما فيه وقوعه ، ولا يلزم منه جوازه ، فعلى هذا هل يشرع الإنكار ؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف ، وقد تقدم الكلام فيه . فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة ، فلا ينبغي أن يسوغ الإنكار .) اهـ

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

إخراج زكاة الفطر نقدًا ... للعلامة الدكتور مصطفى الزرقا رحمه الله

ثَبَتَ عن النَّبِيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ أنه أخرَج وأمَرَ بأن يُخرِجَ مَن كان مقتدرًا زكاةً عن فطره في آخر رمضان ـ بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العيد ـ مقدارُها عن نفسه وعن كل فرد تحت ولايته ومئونته صاعٌ من البُرِّ (القمح)، أو نصفُ صاع منه، بحسب اختلاف الرواية، أو صاع من الشعير أو من التمر أو الزبيب أو الأَقِط وذلك معونة للفقراء بمناسبة عيد الفطر عَقِبَ شهر الصيام.

ورُوِيَ أنه ـ عليه الصّلاة والسلام ـ قال: "أغنوهم في هذا اليوم". ولم يُنْقَلْ في ذلك خلافٌ يعرف في الصدر الأول من الإسلام بين الصَّحابة والتابعين، فكان الناس يخرجون زكاة فطرهم ممّا يتيسَّر لهم من هذه الأموال الغذائية الخمسة سوى ما نُقل من اختلافهم بالنسبة إلى البُرِّ (القمح) بسب اختلاف الرواية فيه: هل يُخرج منه نصفَ صاع أو صاعًا كاملاً كالشَّعير؟

وواضح جدًّا من قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام: "أغْنُوهم في هذا اليوم"أن المقصودَ الأساسيَّ من هذه العبادة المالية هو إغناء الفقير في هذا اليوم، يوم الفرحة والسرور، وليس المقصود نوعًا أو أنواعًا معينةً بذاتها من الأموال، بدليل أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ جمع بين خمسة أنواع من الأطعمة الميسورة للناس في ذلك الوقت مختلفة الوظائف: فمنها غذاء أساسي لسدِّ الجوع، ومنها ما هو للتحلية والتَّسلية في يوم الفرحة كالزَّبيب.

ثُمَّ ما إِنْ نشأت المذاهب الفقهية، وتكوَّنت حولها الأتباع، حتى بدأ التَّرف العلمي يَذُرُّ قَرْنُه، ويمسك بنقاط فرعيةٍ في الموضوع يَقف عندها، ويتشدَّد فيها، ويربط بها أصل العبادة بتأويل يتمسك به، ولا يرى وجهًا لخلافه، وينسَى حكمة الشارع من الأحكام، وينسَى التمييز بين الوسائل والغايات، بل يعطي الوسائل غير المقصودة بالذات أكثرَ مما يعطي الغايات الشرعية الثابتة من الأهمية !!
فوُجد مَن قال من أهل المذاهب: لا يجوز أن تُخرَج زكاة الفطر إلا من هذه الأرزاق الخمسة عينًا، ولا يصح منه إعطاءُ الفقراء قيمتَها من الدراهم والدنانير.

وحجتهم في ذلك أن هذا هو الذي ورد في السنة النبوية، وأن زكاة الفطر من العبادات، وأن الأصل في العبادات التوقيف وعدم التعليل، فيجب الوقوف عند حدود النص، ولا يجري فيها القياس والاستحسان والاستصلاح. وقد كانت الدراهم والدنانير موجودة وقت التشريع ولم يذكرهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ‎ـ ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أنه أخرجها بالدراهم أو الدنانير، ولو أنه حَصَل لَنُقِلَ؛ لذلك لا تصحُّ زكاة الفطر في نظرهم إلا من هذه الأعيان.

والجواب: عن هذه الحجة واضح للمتأمل: هو أن زكاة الفطر من أصلها هي معقولة المَعنى، مثل زكاة الأموال التي هي مئونة وتكليف مالي اجتماعي لمصلحة الفقراء، الذين يجب أن ينهَض بهم الأغنياء، فلا يكون المجتمع الإسلامي قسمين ولا وسط بينهما: قسمَ الأغنياء المَتخومين، وقسمَ الفُقراء المحرومين.

فتشريع زكاة الفطر وزكاة الأموال معقول المعنى، ويجب عند الاشتباه النظر إلى ما هو أنفع للفقير، أو أيسر على المكلف، وليس مثل عدد ركعات الصلوات توقيفًا محضًّا لا دخل للعقل فيه، بل الفارق بينه وبين عدد الرَّكَعَات فارِق عَظيمٌ .

ألا ترى أن تحديد المقادير في زكاة الفطر بإجماع المذاهب إنما هو تَحديد للحدِّ الأدنى الذي لا يصح أقلُّ منه، ولو زادَ المكلَّف فيه فأعْطَى أكثرَ منه فله فَضل ثَواب، بينما لو زادَ المصلِّي فِي ركعات فَريضة الصلاة لا يجوز له ولا يُقبل منه؟!

على أن زكاة الفِطر قد جاء في الحديث النبوي نفسه تعليلها معها، فقد بيَّن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكمتَها وغايتَها وسبب إيجابها حين قال: "أغنوهم في هذا اليوم" وأصل الإغناء يكون بالنقود التي تصلُح لجلب جميع الحاجات من أغذية وغيرها.

وأما أنَّ النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم يذكر الدنانير والدراهم في زكاة الفطر، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنه أخرجَ بها، فذلك سببه أنها كانت قليلةً في ذلك الوقت لا يَتوافَر منها إلا القليل لدى القليل من الناس، ومعظم أموالِهم التي كانوا يتداوَلونها ويتبادلون بها كأنَّها نقود، قد كانت هذه الأنواع الغذائية التي وردت في حديث زكاة الفطر، وأنواع الأنعام لدى أهل البوادي من الإبل والغَنم والبقر.

والله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يتعبَّدْنا بشيء من أنواع الأموال أو الأغذية على سبيل التعيين والتخصيص، تحت طائلة البُطلان لو قدَّمنا في الواجبات المالية غيرَها، وإنما تعبَّدَنا بالمالية المطلَقة، وبمقاديرَ محدَّدةٍ منها؛ لأنها هي ذات الاعتبار الثابت لدى جميع البشر، وفي جميع الأزمنة. فربح التاجر وخسارته مثلاً لا يرتبطان بنوع معين من أمواله إذا زاد أو نَقَص، وإنما يرتبطان بمجموع ما عنده من أنواع المال ذات القيمة أيًّا كانت.

إن زكاة الأموال ـ وهي أعظم عبادة مالية في تكاليف الإسلام، مع أن الله تعالى قال فيها: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِهَا..)، التوبة: 103 ممّا يُشعِر ظاهرُه أنها يجب أن تؤخَذ من عين المال المُرادِ تزكيته ـ يصحُّ بالإجماع أن يخرج الإنسان ما يعادِل قيمتَها من النقود، بل من مال آخرَ لديه؛ لأن مقصودَ الزكاة أن يتخلى المكلَّف عن قدر من ثروتِه محدد إلى الفقراء كيلا يبقَى المجتمع الإسلامي ـ كما سبق بيانه ـ متكوِّنًا من مَتخومين ومحرومين. وأفضل ما يتخلَّى عنه المكلَّف من ثروته لمصلحة الفقراء هو النقودُ، التي يستطيع بها الفقير وفاءَ جميع حاجاته، وتحصيلها بكلِّ يسر، في حين لو اجتمع لديه مجموعة من الأرزاق بأعيانها لا يستطيع أن يستفيدَ منها ما يستفيد من النقود. على أن المزكِّيَ لو أرادَ أن يُخرج زكاتَه من أعيان المال الذي عنده لكان مقبولاً منه؛ لأنه قد يكون هو الأيسر عليه، وأن سياسة الإسلام التيسيرُ على المكلَّف.