قال العلامة السيد الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى :
إذا ترتب على فعلٍ أثرٌ فذلك الأثر :
ــ من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يُسمى فائدة له ،
ــ ومن حيث إنه على طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له
؛ ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ،
ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين :
أ ـ إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يُسمى بالقياس إلى الفاعل : غرضا ومقصودا ، ويُسمى بالقياس إلى فعله : علة غائية
؛ فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار
ب ـ فإن لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية
؛ فالفائدة أعم من العلة الغائية ،
فإذا تمهد هذا فنقول :
أفعاله سبحانه وتعالى يترتب عليها مصالح وحكم لا تحصى ولا تعد فذهب الأشاعرة و الحكماء إلى أن تلك الحكم والمصالح غايات لأفعاله تعالى ومنافع راجعة إلى مخلوقاته ، وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين :
1ــ أحدهما أن من كان فاعلا لغرض فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وإلا لم يصح أن يكون غرضا ؛ فيكون الفاعل حينئذ مستفيدا لتلك الأولوية ومستكمَلا بغيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،
لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا
؛ لأنا نقول : إذا كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح أن يكون الإحسان غرضا
و إن كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال.
2ــ والثاني من الوجهين أن غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله ، كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره ، ولا مجال للنقصان بالنسبة إليه كما لا يخفى ،
بل كمال الله تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك المصالح غايات وثمرات لأفعاله لا علل غائية لها ،
واتضح بما حققناه :
أن ليس شيء من أفعاله عبثا أي : خاليا عن الحكمة والمصلحة
وأن لا سبيل للاستكمال والنقصان إلى سرادقات عظمته و كبريائه ،
وهذا هو المذهب الصحيح والحق الصريح الذي لا تُشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة ،
وما ورد من الآيات والأحاديث الموهمة لكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض فهي محمولة على الغايات المترتبة عليها ، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة و الأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامة على مقتضى قولهم : كلموا الناس على قدر عقولهم.
والله أعلم
انتهى كلامه رحمه الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق