الاثنين، 21 أغسطس 2017

العلة الغائية

قال العلامة السيد الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى :

إذا ترتب على فعلٍ أثرٌ فذلك الأثر :

ــ من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يُسمى فائدة له ،

ــ ومن حيث إنه على طرف الفعل ونهايته يسمى غاية له

؛ ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ،

ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الاسمين :

أ ـ إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يُسمى بالقياس إلى الفاعل : غرضا ومقصودا ، ويُسمى بالقياس إلى فعله : علة غائية

؛ فالغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار

ب ـ فإن لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية

؛ فالفائدة أعم من العلة الغائية ،


فإذا تمهد هذا فنقول :

أفعاله سبحانه وتعالى يترتب عليها مصالح وحكم لا تحصى ولا تعد فذهب الأشاعرة و الحكماء إلى أن تلك الحكم والمصالح غايات لأفعاله تعالى ومنافع راجعة إلى مخلوقاته ، وليس شيء منها غرضا له وعلة غائية لفعله واستدلوا على ذلك بوجهين :


1ــ أحدهما أن من كان فاعلا لغرض فلا بد أن يكون وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه وإلا لم يصح أن يكون غرضا ؛ فيكون الفاعل حينئذ مستفيدا لتلك الأولوية ومستكمَلا بغيره ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،

لا يقال إنما يلزم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل وأما إذا رجعت إلى غيره كالإحسان إلى المخلوقات فلا

؛ لأنا نقول : إذا كان إحسانه وعدم إحسانه إليهم متساويين بالنسبة إليه تعالى لم يصح أن يكون الإحسان غرضا
و إن كان الإحسان أرجح وأولى به لزم الاستكمال.

2ــ والثاني من الوجهين أن غرض الفاعل لما كان سببا لإقدامه على فعله ، كان ذلك الفاعل ناقصا في فاعليته مستفيدا لها من غيره ، ولا مجال للنقصان بالنسبة إليه كما لا يخفى ،

بل كمال الله تعالى في ذاته وصفاته يقتضي الكمالية في فاعليته وأفعاله وكمالية أفعاله تقتضي أن يترتب عليها مصالح راجعة إلى عباده فتلك المصالح غايات وثمرات لأفعاله لا علل غائية لها ،

واتضح بما حققناه :

أن ليس شيء من أفعاله عبثا أي : خاليا عن الحكمة والمصلحة

وأن لا سبيل للاستكمال والنقصان إلى سرادقات عظمته و كبريائه ،

وهذا هو المذهب الصحيح والحق الصريح الذي لا تُشوبه شبهة ولا تحوم حوله ريبة ،

وما ورد من الآيات والأحاديث الموهمة لكون أفعاله تعالى معللة بالأغراض فهي محمولة على الغايات المترتبة عليها ، ومن قال بتعليلها بناء على شهادة ظواهرها فقد غفل عما تشهد به الأنظار الصحيحة و الأفكار الدقيقة أو أراد إظهار ما يناسب أفهام العامة على مقتضى قولهم : كلموا الناس على قدر عقولهم.

والله أعلم


انتهى كلامه رحمه الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق